2/28/2009

تشكيل



من مجموعتي القصصية " نباتات الأسفلت " قصة "يناير"

يناير

جوّال خفيف الحركة .. أمشي أعواماً بلا كلل ..لكّن دماغي ثقيل .. مُليء اندهاشاً و غربة .. غريب أبتر بدونك يا " سمر" .. و أحبك .. و الله في منتهى الذكاء .. خلق شارع البحر ..بثّه في عينيك .. و اصطفاني لك .. ليس شارعاً حتماً ..كيان متكامل .. عالم .. حُشي كائنات و حركة ..مُليء يقظة و سكوناً .. شارع البحر الممتد بطول المنصورة ..أرائكه صامتة .. مراكبه متناثرة بطوله .. أشجاره قليلة الأوراق دائماً .. يثوي تحتها بائعو الترمس .. يرهبون الأمطار و شرطة المرافق ..

- " حمله يا جدع...اجري...."...

فتُنبت الأرض مخبرين و حسرات.. لم تعد ثمة جرائد مثقوبة أو معاطف صفراء.. بناطيل "جينز" و نظّارات "ريبان" مقلدة .. خنافس نتنة .. و الضابطُ بغلٌ من أكل التِرمس الحرام.. أمناء الشرطة مختنقون بصفاقته..قد شاركهم أرزاقهم .. و قشر التِرمس متناثر على طول الرصيف.. كذلك الفتيات.. مبعثرات.." استريتشات" و فُرج بين الأثداء الرمانية الصلبة نوعاً .. ضحكات مغناجة أو همهمات .. الكل ملتصق برفيقه..فبَرْد " يناير" قارص و مفعم بالتطلع نحو الاستكشاف.. و أنا صموت.. عميق الملامح.. أتباهى أمامكم بصدق حدسي.. بيقيني الزائف.. مُتشظ.. لكنني واحد.. أجوب البحر بعينيَّ..و أجوب المدينة..أتطلع إلى "الكاوبوي" فوق " طلخا" مُتكئاً..يدخن "المارلبورو" .. لافتة بحجم بيتنا..كوبري "طلخا" لا يقطع امتداد الشارع..و أن أفكر في " سمر" .. لا أنساها أبداً ..أتسكع بين أرصفة " المنصورة".صعلوكٌ و الشوراع هادئة.. ريفية الصخب.. و "ميت حضر" معبقة بسر أزلي.. " خرّوب" و "ساندويتشات " فول و سينما " أوبرا"..ليست مدينة فقط .. لافتات " الحُسين" و " السيدة زينب" تعتلي محال كبدة و الكوارع.. و كأنّ الأرض تُقّدس سرها..تحمي ذاتها.. لوح محفوظ..و "سمر" تحيا في القاهرة.. أعشقها.. دربكة محطة " رمسيس" ..تطور المترو..الفُرجة.. لكني أخاف كلاب المترو البوليسية .. أخاف نشالّي " رمسيس" .. أرهب استفتاء " قاهرّي " عن مقصدي..لا يعرف..لكنه يصّر على إرشادي.. سأسأل ثلاثة أو خمسة أو عشرين.. و سأملك عشرين جواباً .. كلها خاطئة .. الجميع يدّعون معرفة الأشياء كلها.. و أنا لا أعلم شيئاً .. إلاّ " المحطة " و " زهرة البستان" و " عماد الدين " .. أرهب القاهرة .. تلك مدينة لا تُمتطى .. لكنني لا أرهب مدينتي .. تُطمئنني.. حتى عساكر " الأمن المركزي" أتأملهم مُطمئناً .. و ساخراً .. أتذكر صفوفهم أمام بوابة الجامعة ..مُنتظرين خروجنا .. – كان يوماً شائقاً _ و نحن نصرخ في صخب.. نهتف بسقوط الجميع .. فلتكن حرباً أهلية .. و أنا أنظر حَذِراً نحو البوابة .. نحطمها ثم نجري عائدين للداخل .. نتعثر و نجري و نهتف .. و الفتيات احتمين بدورة المياه .. أصواتهن رفيعة حادة.. و العساكر ينظرون نحوهن في حرمان .. وجوه قروية ساذجة .. يتطلعون بشبق نحو فتيات الجامعة .. و نحن مختالون بثوريتنا .. والفتيات ثمار ناضجة ..طول عمري و أنا في هذه الغرفة .. بين " فلسفة الثورة ".. و " الإنجيل".. و " ألف ليلة و ليلة ".. أدخن أو أشرب الشاي .. أقرأ و أفكر .. تلتهمني الفتيات المعقدات فوق " الكنبة " العربي .. أنام فوقها أو فوق التي فوقها .. ألصق صوري على المسرح فوق الجدران .. أُكّدس أشعار " جاهين " و " درويش " على الباب .. أبكي أو أموت من الضحك .. بلا سبب .. فأنا مركز الكون .. و " سمر" أصل الخلق .. أنا أحب " سمر" .. و اصلي لله أحياناً .. لكنني أحب أمي أيضاً.. هي تكره السجائر .. تخاف على صحتي.. و أبي يكره زيادة المصروف.. أعشق التدخين ..و صوت " فيروز" يرفرف بين جنبات الغرفة .. " الطفل في المغارة .. و أمه مريم.. وجهان يبكيان .." .. و أنا في الغرفة أحاول البكاء .. فأسمع بكاء أمي من وجع " البواسير" ..و أقرأ.." أنتم من أسفل .. أمّا أنا فمن فوق ..أنت من هذا العالم .. أمّا أنا فلست من هذا العالم.. " أنا كائن ليلي ..لست مثلكم.. أفكر كثيراً و في كل شيء .. لا أتقيأ شيئاً .. أرتكز فوق أرتال الكتب و ابكي .. سقيمة تلك الغرفة .. لكنها لي وحدي .. و أنا أعشق " شارع البحر" ليلاً .. له قداسة الليل و رهبة الرب.. كأن الكون مرتكز عليه .. أكرهه نهاراً .. حين يمتليء بأتوبيسات " بلقاس" و بقايا " ورد النيل".. أعشق "سيد درويش" - كان صادقاً- و أكره " أم كلثوم" .. أخاف المخبرين .. و أتحدى " مدير الأمن " تتساقط صور الجميع أمامي .. شوهاء وئيدة .. كأوراق الدمينو المقدس .. و تبقى صورة " سمر " مبتسمة هادئة .. و " فيروز " صديقتي من زمان .. "أنا وِ صِغيره .. كان في صبي.. يِجِي من الأحراش .. اِلعب أنا وِياه .. " صدري خاوٍ من الأشياء جميعها .. و عقلي ممتليء.. و الكلمات مجردة.. " ناصرية".. طبقة وسطى".. تشدقات زائفة.. " ماركسيون".. عمال و طلبة .. و برد " يناير" حزين .. مندهش .. و الشعارات فجة .. صاخبة .. هراء أن تترك عقلك لأحد.. اترك أذنيك فقط.. حتى
" القوميون" مجرد أرتال دموية.. مسوخ .. " الإخوان " يعشقون الحياة .. متعصبون.. مخلوقات مقوسة .. برد " يناير" لاذع .. و " شارع البحر" ثقيل الوطء.. مفعم بالأمنيات .. و " سمر غائبة في حواري " الجيزة".. عيناها كبرد " يناير" .. صدرها " شارع البحر".. و أنا في الغرفة متكىء ذاهل .. مشرع رأسي بين ساقيّ و " فيروز" تصرخ في الخواء.. تغني لي وحدي.. تلتهب .. " الغضب الساطع آت .. و أنا كلي إيمان .. الغضب الساطع آت سأمر على الأحزان .." " فيروز " تحبني .. أنا أحب " سمر" ,.. و " سمر تعشق " فيروز " لأجلي.. فأمنح أذنيّ لها .. أترنح بين ارهصاتها.. و الوطن بين ضلوعي راكد يحتضر .. فأحاول ترويجه بين الأغبياء .. و هم شوارد .. فلا برد " يناير " يقرصهم .. و لا يعطون آذانهم " لفيروز".. و لا يتمددون بطول " شارع البحر".. و لا هم يتذكرون " سمر ".

أكتوبر – نوفمبر 1999